السيد محمد تقي المدرسي

482

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

4 / ولكن حزن جبهة الحق يتبدّد بالتوكل على الله ( ومعرفة عظيم ملكه ) . فالمنافقون كانوا يتناجون فيما بينهم ( ويتآمرون ) بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ، وكان هدفهم من النجوى شنّ حرب نفسية ضد المؤمنين . علماً بأنهم لن يضروا بهم شيئاً إلّا بإذن الله ، لأن أزمّة الأمور بيده المقتدرة ، وانما على المؤمنين التوكل على الله ( لمقاومة الأثر النفسي من النجوى ) . قال الله سبحانه : ( إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) ( المجادلة / 10 ) ونستفيد من الآية ؛ إن على من يحزن لأمر حقيقي أن يتوكل على الله ، وأن يجتهد في مواصلة طريقه المرسوم من دون أن يتأثر بالحزن فينهزم أو ينطوي على نفسه أو يقنط . 5 / والصبر عند المصيبة واليقين بأن ما أصابه ما كان ليخطئه ، لأنه كان قدراً من عند ربه مقدوراً . ثم ذكر الله سبحانه ، وتذكّر أن الانسان مملوك له ، وأنه إليه راجع ؛ كل ذلك يساهم في تخفيف المصيبة ، وتطهير النفس من الأثر السلبي للحزن والناشئ منها . قال الله سبحانه : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ وَالأنْفُسِ وَالَّثمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وإِنّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) ( البقرة / 155 - 156 ) ثالثاً : تجنب الحزن على الكفار والمنافقين مما يحزن الرسول ومن يتبعه مسارعة الناس في الكفر ، فكيف نتجنب هذا الحزن النابع من الرغبة الشديدة عند الرسول وتابعيه من الدعاة في هداية الناس به ؟ الذي نستفيده من كتاب ربنا ؛ إن على الداعية أن يعطف اهتمامه من الكفار إلى المؤمنين ، ويخفض لهم جناح الرحمة ، وان يصبر وصبره بالله ، وأن يتق بوعده ، وأن يتذكر أن الدنيا دار فتنة وابتلاء ، وأن كفر من يكفر يدخل ضمن هذه الدائرة ، وإن العزة لله ، وإن إليه يرجع الخلق للحساب ، وأنه يعلم ما يقوله الكفار بهدف أذى المؤمنين . بهذه البصائر وأشباهها يخفّف الداعية حزنه على مسارعة البعض إلى الكفر . 1 / نهى ربنا رسوله الكريم من النظر ( باهتمام أو بغبطة ) إلى ما متع الله الكفار من نعم مختلفة ومزدوجة ، ونهاه من الحزن عليهم ( لأنهم كفروا بالله وإنهم سيعذبون بكفرهم ) ، وأمره بأن يخفض جناحه للمؤمنين . قال الله سبحانه : ( لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) ( الحجر / 88 )